تقرير لمركز معا: هجرة العضوي...حين تَزرعُ الأرض الفلسطينية الغذاء النظيف ليتمتع به الأجنبي


ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا، تصدير العضوي لدول العالم المتقدم، في الوقت الذي يغرق فيه الفلسطيني بالمنتج المزروع بمدخلات كيماوية من أسمدة ومبيدات سواء المنتج محلياً أو الإسرائيلي. يحاول هذا التقرير بحث أسباب اقتصار المنتج الموسوم بشهادة العضوي العالمية على السوق التصديري، ولماذا لا يمكن تسويقه محلياً.

وفق معدة التقرير "ربى عنبتاوي" فشركة كنعان للتجارة العادلة تعدُّ رائدةَ الزراعات العضوية التصديرية في الضفة الغربية، حيث تتعامل منذ عام 2004 مع 1700 مزارع في المحافظات الشمالية والوسطى، ينتجون الغذاء على مساحة 66 ألف دونم، بكمية تتعدى الألف طن سنوياً من الزيت واللوز والمفتول والسمسم والزعتر، تلبي احتياج ما يزيد عن مليون مستهلكٍ عالمي من 22 دولة.

أرقامٌ كبيرة يشير إليها المدير الإداري لـ "كنعان" أحمد أبو فرحة، ما يطرح سؤالاً حول سبب عدم تحويل هذه المنتجات الغذائية النظيفة التي تلبي ربع تعداد سكان الضفة الغربية لطرحها في السوق الفلسطيني.

الجواب عند أبو فرحة في أن هذا المنتج ولتسويقه للخارج مع الشهادة العالمية للعضوي باهظة التكاليف؛ سُيباع بسعر أعلى من سعر السوق، حيث يتم شراؤُه من المنتج (المزارع الفلسطيني) وفق مبدأ التجارة العادلة، الذي يهدف لدعم المزارعين في الدول النامية وشراء منتجهم بأسعار "قريبة" من الأسعار العالمية لتمكينهم اقتصادياً.

العضوي كمفهوم وشهادة

تُعرف الزراعة العضوية بأنها نظام إنتاج بيئي يستند على التنوع الحيوي وحلقات التدوير البيولوجية ونشاط التربة الفعال، والحد الأدنى من مدخلات الإنتاج، ونظم الإنتاج التي تحافظ على صحة التربة والكائنات الحية النافعة.

معايير توافرت في الزراعة البيئية التقليدية المتوارثة تاريخياً قبل دخول الكيماويات من مبيدات وأسمدة للأراضي الفلسطينية أوائل الستينيات، لكن الذي اختلف هو المصطلح Organic أو عضوي الذي ارتبط من الناحية الاقتصادية بشهادة جودة من جهة مختصة تتبع عملية تفتيش وتدقيق صارمة.

نقلاً عن دراسة أجراها معهد ماس للسياسات الاقتصادية عام 2016 تحت عنوان "إمكانيات التحول للزراعة العضوية ضمن الواقع الفلسطيني" فقد قُننت الزراعة العضوية في العالم أوائل التسعينيات، حيث اهتمت الدول المتقدمة في إصدار العديد من القوانين والأنظمة والتعليمات لتنظيم إنتاج وتسويق المنتجات العضوية. فلسطينياً –نفّذت أول محطة مشاهدة عام 1994 بإشراف جمعية الإغاثة الزراعية في كل من أريحا وغزة، ومع أن هذه التجربة لم تستمر طويلاً إلا أنها مهدت الطريق لتنظيم ورشات عمل للمهندسين والمزارعين الفلسطينيين في الدول العربية كمصر، وذلك للتعرف على هذا النمط من الزراعة.

تعد المنظمة الدولية(IFOAM) المظلّة الأساسية للزراعة العضوية في العالم وتهدف إلى تشجيع تبني الممارسات البيئية المستندة إلى مبادئ الزراعة العضوية من أجل زراعة مستدامة.

شهادة العضوي العالمية تتفقُ بالجوهر من حيث المنتج الغذائي النظيف من الكيماويات وتختلف بالتفاصيل حسب توجهات الدول. وفق الخبير الفلسطيني المروج للزراعة البيئية "سعد داغر" فهي توجه حديث تديره منظمات عالمية وشركات قطاع خاص، أصبح حاجة ملحة عالمياً مع تنامي رغبة الناس في الحصول على إنتاج خالي من السموم الكيماوية، لذلك تم تطوير أنظمة وقوانين ونظام منح شهادات للمنتجات العضوية، وكنتيجة لذلك ظهرت في الكثير من البلدان جهات تقوم بالتفتيش على المزارع العضوية وتمنح الشهادات، وتتقاضى مقابل ذلك مبالغ كبيرة من المال.

لكن يرى داغر أن الحصول على شهادة منتج عضوي مرخص ليس سهلاً في الحالة الفلسطينية، وذلك نتيجة ارتفاع تكلفة المنتج، بسبب إجراءات الترخيص كمتطلب عالمي، ما جعلها في غير متناول الفقراء ومتوسطي الدخل، بل أغنياء المزارعين والتجار.

شركة كواب: الشهادة تعكس المصداقية

الشركة الفلسطينية الوحيدة التي تمنح شهادة عضوي وفق المعايير الأوروبية وأيضا السويسرية هي شركة مساهمة خصوصية COAP تأسست عام 2007، تتعامل حالياً مع 25 جهة بين شركات تسويقية وجمعيات تعاونية ومعاصر. تقول مدير عام الشركة "دلال حسين" أن الشركة معتمدة من منظمة الـ IOS العالمية، وتتألف من مهندسين زراعيين اثنين (حسين وزميلها صادق عودة) يقومان بعملية الرقابة والمتابعة بدءاً من التحضير للعضوي من خلال المرحلة التحويلية للمزارع، حتى المتابعة الموسمية للمزروعات العضوية.

معدل تكلفة الشهادة السنوية وفق حسين 1600 دولار، وهي غير باهظة من وجهة نظرها حين تقسّم على عدد من المزارعين، مؤكدة أن الشهادة هي جسر عبور المنتج الفلسطيني العضوي إلى أوروبا، ومن دونها لا يمكن الجزم بأن المنتج عضوي.

وعند الإشارة لحسين بأن هناك انتشارا محلياً للمزارع العضوية ولكن غير الحاصلة على الشهادة، أصرّت المهندسة ذات الخبرة بالتفتيش الزراعي على أن الزراعات من غير هذا الوسم العالمي تندرج تحت خانة الزراعات البيئية وليست العضوية، لأن الأخيرة بنظرها ترتبط بالشهادة.

لماذا الشهادة؟

 "المزارع الذي يلتزم بالزراعة العضوية يتحمل تكاليف باهظة بالبداية من استخدام للسماد العضوي إلى الانتظار ثلاثة أعوام حتى تنتهي المرحلة التحويلية عدا عن تكاليف الشهادة...من وجهة نظري هو الأجدر بالثقة ممن لا يحمل الشهادة". تقول حسين التي تعطي الشهادة لمنتجات زراعية فلسطينية كزيت الزيتون واللوز والتمر والقمح والسمسم والخضار الموسمية.

ترى حسين أن الشهادة الأوروبية أو العالمية هي "المنطق والعلم" فيما يتعلق بالمنتج العضوي، مشيرة إلى وجود جهات تروج للعضوي وهي غير دقيقة في ادعائها، لافتةً إلى أن الثقة بالفلاح لم تعد كما الماضي في ظل الانتشار الواسع للمبيدات الكيماوية وفوضى استعمالها.

كنعان حاضرة في العالم وغائبة في وطنها

شركة كنعان التي تحتفي أوائل نوفمبر من كل عام بـ "جاروعة كنعان" وهو احتفال تراثي بموسم الزيتون، يُميزها عدا عن حجم مزارعيها الكبير هو اعتمادها للشهادات الأوروبية والأمريكية واليابانية للزراعة العضوية التصديرية، وقد لعبت هذه الشركة دوراً في تشجيع الزراعة العضوية لدى مئات المزارعين كما صوبت بعضهم حين عاد للمدخلات الكيماوية.

يقول أبو فرحة: "نصدر زيت الزيتون بشكل أساسي (700 طن)، ثم اللوز(200 طن)، و(30) طن الفريكة، (20 )طن مفتول، وكميات أخرى من البندورة المجففة، زيت الريحان، الزعتر البلدي الناشف مع السمسم، القمح الأخضر. يعملون مع 1700 مزارع في 52 قرية، بدءا من جنين مرورا بنابلس وسلفيت إلى شمال رام الله، وحتى عارورة ومزارع النوباني.

لماذا شهادة العضوي باهظة؟ يشير أبو فرحه، أنها تتطلب زيارة مرة كل عام لمفتشين من ألمانيا للوطن، يقومون خلال أسبوعين بأخذ عينات عشوائية من منتجات 50 مزارعاً من أصل 1700، بينما يتم أخذ عينات من جميع معاصر الزيت بلا استثناء، وبعد فحصها والتأكد من أن النتائج جيدة يرسلون للشركة الموافقة للتصدير.

وحول غياب منتجات كنعان في السوق المحلي، فأشار أبو فرحة إلى أن محلات أبو خلف تأخذ عينات قليلة من زيت الزيتون بغرض بيعه للأجانب نظراً لسعره المرتفع، وعلى سبيل المثال لتر الزيت الذي يباع بـ 30 شيقلا في فلسطين يباع في أميركا بـ 100 شيقل.

وزارة الزراعة: ندرس تشكيل نظام للزراعة العضوية

فيما يخص الزراعة العضوية في المؤسسة الرسمية نقلاً عن (دراسة لمعهد ماس) فلا يوجد في كوادر وزارة الزراعة الفلسطينية وظيفة مخصصة للزراعة العضوية ولا يوجد فيها برامج محددة. كما يغيب وجود حاضنة قانونية محلية مناسبة لإنتاج وتصدير الزراعة العضوية، ويفتقر القانون الفلسطيني إلى قواعد أساسية مثل تعريف الزراعة العضوية وشروطها، وسن قانون واضح وفعّال خاص بالزراعة العضوية يطابق أو يتوافق مع المعايير الأوروبية، مع العلم أنه في منتصف عام 2016 التحقت وزارة الزراعة بشبكة المتوسط للزراعة العضوية التي تضم وزارات الزراعة في 22 دولة متوسطية، وتهدف إلى تشارك المعرفة في الزراعة العضوية، والتعاون في كل ما يخصها.

وفق وزارة الزراعة؛ تشكل الزراعات العضوية الرسمية الحاصلة على شهادة العضوي 06,% أي نسبة ضئيلة جداً، وحول دورها في تنظيم قطاع العضوي، يؤكد مدير عام التخطيط المهندس حسن الأشقر، أن السلع الزراعية التي لها علاقة بالإنتاج العضوي ليس لها نظام رسمي حالياً، وما يتم العمل عليه هو وضع مواصفات زراعية عضوية بالتعاون مع مؤسسة المواصفات والمقاييس التابعة للاقتصاد الوطني.

"دورنا هو وضع الممارسة العضوية ضمن إطار محدد تمهيداً لنيل شهادة معتمدة من قبل جهة غير حكومية كالقطاع الخاص أو مؤسسة مجتمع مدني اللتان تشرفان على المزارع وتخصصان طاقماً من المفتشين... أما الحكومة فدورها إنشاء النظام والمعايير لـGAP أي الزراعات الجيدة، والـ  Organic Pal   للزراعات العضوية.

كرزم: الشهادة يعني انتصار الاحتكارات العالمية

الخبير البيئي جورج كرزم وأحد المدافعين عن الزراعات البيئية العضوية، انتقد حصر الثقة بالمنتج بشهادة باهظة التكاليف، معتقداً أن الشركات الاحتكارية بهذا التوجه العالمي تضرب مبادرات مزارعين صغار ينتهجون هذا النوع من الزراعة النظيفة لإنتاج غذاء طبيعي ونظيف، وذلك لأن مقدّم الشهادة هي شركة احتكارية.

ويضيف: "إذا وجد محصول زُرع بطريقة بيئية خالية من الكيماويات فنحن المخولون كجهة فلسطينية محلية بإعطائه الشهادة العضوية، ولا يجب التشكيك بكل مبادرة عضوية من اجل التكسب المادي للشركات وإعطاء الشهادات". مشيراً إلى وجود مليار مزارع في العالم يزرعون في مناطق معيشتهم زراعات بيئية أو عضوية كإرث زراعي يمارسونه منذ آلاف السنين دون شهادات، متسائلاً باستغراب: "هل زراعاتهم لا تستحق الثقة بها؟"

واستهجن كرزم ترسيخ فكرة أن الشهادة الصحيحة هي فقط من خلال المدققين العالميين، لأنها بهذا الشكل تحبط أي توجه فلاحي زراعي نظيف من أن يأخذ حقه بالثقة المجتمعية، وذلك لأنه فقط لا يملك نفقات الشهادة العالمية.

تعزيز ثقافة العضوي لصالح المستهلك المحلي

وتأكيداً لكرزم يرى الخبير داغر الذي ينشط لسنوات في الترويج للزراعة العضوية أن تعزيز ثقافة العضوي في ظل غياب أي دعم حكومي للمزارعين يتأتى بالتالي:

- قناعة المزارع بالتحول للعضوي ليس سعياً وراء تحقيق أرباح عالية على حساب المستهلك، بل من أجل حفظ الطبيعة وتحسين خصوبة التربة، والرغبة بإنتاج غذاء نظيف للناس من منطلق أخلاقي

- تعزيز أساليب إنتاج ترفع من إنتاجية الأرض لتجعلها تتفوق على الإنتاج الكيماوي، مع تقليل تكاليف الإنتاج إلى الحد الأدنى.

- ابتداع أساليب تسويق مباشرة من المزارع للمستهلك، مع تعزيز ثقة المستهلك بالمنتج العضوي دون الحاجة لوجود شهادات وملصقات (اعتماد الأسلوب المتبع في الزراعة البيئية القائم على منهج "الزراعة المدعومة شعبياً").

جوهر اللاعدالة

وفق داغر فإن "جوهر اللاعدالة" هو تحول الأرض الفلسطينية لتلبية رغبة الأجنبي بالغذاء النظيف على حساب الفلسطيني الذي يغرق بالغذاء الكيماوي. يقول: "من الأولى أن يتم إطعام شعبنا طعاماً خالياً من السموم".

وعن الحلول الممكنة، فيرى داغر، أنه وعلى مستوى العالم، ما زالت الحيازات الصغيرة تنتج ثلاثة أرباع الغذاء، وأصحاب هذه الحيازات يعتمدون الأساليب الزراعية الطبيعية بشكل أساسي. الوضع لا يختلف بشيء في فلسطين، فحوالي 80% من الحيازات هي حيازات صغيرة (بمساحة أقل من عشرة دونمات). هذه الحيازات، وفق داغر، تستطيع توفير ما يكفي من الغذاء دون الاعتماد على السموم الكيميائية، وذلك إذا ما تم تعليم الناس كيفية الإنتاج بطرق طبيعية (لا داعي لإجراءات الترخيص والحصول على الشهادات).

وأضاف: "أصبح لدينا نماذج كثيرة في الضفة الغربية تعمل بأسلوب "الزراعة البيئية"، التي تتفوق كثيراً على الزراعة العضوية "الرسمية" من ناحية الفلسفة والتطبيق ويزيد عدد من يطبقونها الـ ٣٠٠ شخص".

 الملفت، وفق داغر، توجه أعداد متزايدة من الجيل الشاب نحو الزراعة البيئية، بينما لم تجذب الزراعة العضوية الرسمية أيٍ من المزارعين الشباب أو المزارعين ذوي الحيازات الصغيرة وبقيت فقط مطلوبة من قبل عدد قليل جداً من كبار المنتجين، إضافة إلى عدد قليل من تعاونيات إنتاج زيت الزيتون العضوي.





طباعة الصفحة

تم بواسطة : amjad 2019-03-27 13:24:55
التعليقات

  ملاحظة: التعليقات تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.

 

 

اخبار سريعة

Loading...