ظاهرة فلسطينية روايات النساء حول التهجير العام 1948: فاطمة الدرهلي/ ابنة يافا


فيحاء عبد الهادي

2020-05-17
 

"أنا فاطمة حسيب الدرهلي، مواليد يافا، سنة 1924. طلَّعونا سنة 1948، رحنا على الخليل، وبعدين على سورية، وبعدها على مصر، (ومن يومها إحنا في مصر).
حضرت إضراب 36: كان السوق قافل ومفيش محلات. تعاملت المرأة مع الإضراب بكل قوة، كانوا يوقفوا ضد الإنجليز، وصاروا يعملوا محلات في البيوت، عملوا 6 شهور، وبعدين فَكّوا. ما كُنّاش نشتري أي حاجة من تل أبيب؛ كنا نشتري من يافا. كل جهازي كان من يافا.
باذكُر مرَّة بعد الـ 1936، كان فيه واحد من الثوار، رمى قنبلة على عربية جنود إنجليز؛ شافوه؛ احتمى في بيتنا - كنت طفلة ونايمة - ما شفت إلاّ الإنجليز هجموا علينا؛ ستة، سبعة، فزّيت؛ لقيت واحد قاعد في أوضة النوم عندنا، ولابس بيجامة، دخّلتُه ماما. قال لها: خَبّيني خَبّيني..الإنجليز ورايا، قالت: ولا يهِمَّك! إقلع هدومك، وجابت له بيجاما، عقبال ما وصلوا؛ كان قلع وحَطّ هدومُه بين المرتبتين، وقعد على كرسي.
دخلوا الإنجليز، لَفّوا لَفّوا لَقوه قاعد، قالوا لها: هو دَه؟ قالت لهم: لأ، دَه ضيف عندنا موجود من زمان، قالوا لها: دَه عرقان شَكلُه خايف، قالت لهم: إحنا بِنخاف منكم، لأنكم مِرعِبينّا. أنا كمان عرقانِة، وخايفة منكم.
قالوا لها: إحنا شُفناه دخل بيتكم، قالت لهم: يمكن دخل وطلع، شوف، فيه شباك، مِنُّه ممكن ينُطّ ويطلع على الشارع، قالوا لها: مضبوط كلامك، ومِشيوا.
قبل الموضوع دَه كان أبوي عِندُه خيل، وبِيعَلِّم ركوب الخيل، وكان الإنجليز يِركَبوا عنده، طبعاً بالفلوس. كانوا الثوار مفتكرين إنُّه أبويا لُه يد مع الإنجليز. كانوا ماخدين لنا خمس أحصنة انتقام منُّه. لما عملت ماما العمل دَه، وشافوا إنُّه إحنا عندنا وطنية؛ تاني يوم رجّعوا الخمس أحصنة.
اتعلّمت في المدارس الإنجليزية، وأتقنت اللغة الإنجليزية والفرنسية، وأنا صغيرة شاركت في المرشدات، وده اللي خلاّني أحمل مسؤولية لما كبرت.
اتجوَّزت سنة 1948، وهاجرنا في السنة ذاتها، في الطرق كان ناس تمرّ، وناس يقتلوهم وإحنا رايحين؛ بس إحنا مَرّينا، وقعدنا شهور، وبعدين صار فيه عدوان من المستعمرة جنب الخليل؛ سِبناها وجينا سورية، وقعدت 4 سنين، وبعدين جيت مصر، من سنة 1952.
بيقولوا: ليه طلعتوا؟ ما كانوش يحِسّوا اللي إحنا حَسّيناه! من المغرب بس تظلم الدنيا، كانوا يضربوا مدافع في الهواء عشان يرعبونا، طول الليل، كل نصف ساعة يضربوا قنابل، وأصوات مزعجة، مش قادرين نحتمل، وبعدين فجَّروا قنبلة في السرايا اللي بيافا، ونسفوها؛ كان فيها شؤون اجتماعية، كذا شباب راحت، والمحلات اللي هناك، وكل حاجة، فالناس ما استَحمَلَتش وطلعت، طلعنا على أساس نهَدّي أعصابنا 10، 15 يوم، وبعدين (احتلوا) فلسطين، وإحنا بقينا بالخليل، وسِبنا عفشنا وبيوتنا وكل حاجة.
وبعدين ييجوا يضربوا قنابل، وفي أي مكان الناس تموت، بعدين طفشوا من كثر الضرب، والناس عزّل!!
أول ما طلعنا؛ طلعنا على الخليل في العربيات؛ لكن بعدين الناس راحوا البحر، من كثر الضرب؛ ركبوا المراكب وطلعوا بيروت، وكثير منهم وقعوا بالبحر، وكثير ماتوا، كان البحر هايج قوي، بيِرموا حاجاتهم في البحر، مرّة واحدة منهم إجت ترمي مخدة؛ طلع ابنها رَمتُه.
فيه كان قصص وحكايات مالهاش أول من آخر، وبعدين فيه إشي راح لبنان، وإشي راح سورية، وإشي إجا مصر؛ اتشرَّدوا. الشعب الفلسطيني اللي شافُه؛ ما حَدِّش شافُه، وفي نفس الوقت الحمد لله صامد.
كنت بيافا عضوة برابطة اسمها "جمعية التضامن النسائي"؛ كانت رئيستها "سارة جار الله"، و"رفقة جار الله"، و"سامية جار الله"، كانوا ثلاث خوات، من القدس؛ بس كانوا يشتغلوا بيافا، فيه من بيت صلاح برضه، وفيه من بيت الصباغ، وكثيرات.
علَّمونا خياطة. دور الجمعية اجتماعي أكتر؛ لكن ضمن الاجتماعي بِيخُشّوا في السياسة شوية. وبعدين هاجرنا سنة 1948، ما كمّلوش، وكان لهم صلة في جمعية "هدى هانم شعراوي"، في مصر.
بيافا كنا نساعد المقاتلين اللي بيروحوا حدود تل أبيب، وكنا نعمل لهم أكل، كان عندي 17 سنة، وأشارك مع الستات الكبار، ونشتغل ونوَدّيلهُم، كان فيه بعض السيدات بيقاتلوا مع لشباب منهم "مهيبة خورشيد"، دي كانت 20 أو 18 سنة؛ لكن كانت تروح تقاتل، ولأول مرَّة البنات بيلبسوا بنطلونات بفلسطين.
وحصل غدر من كل الدول، كان فيه خيانات، هي اللي تسبَّبت في اللي حصل.
طلعنا بشوية فلوس الحقيقة، بس عندي إخوتي كانوا بيتعلموا، واحد قدر يشتغل، وكان لنا شوية فلوس بالبنوك أخدناها، واشتغلوا. أهل جوزي كانوا تجار قماش، ماخدين بضاعتهم، مطلّعينها لَغَزة؛ نِفعَتهُم.
الشعب الفلسطيني شعب شاطر؛ كل واحد اتصرَّف، قَدّ ما يِقدَر اشتغل، واللي سافر، واللي راحوا البلاد العربية، وكانوا يسمحوا لهم هاداك الوقت، في أي بلد بيقَدِّم فلسطيني كانوا ياخدوه.
في مصر؛ سنة الـ 1963؛ اشتركت في رابطة المرأة الفلسطينية (اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة منذ 1965)، وكنا نعمل أعمال اجتماعية وسياسية، وكنت عضوة إدارية لغاية سنة 1970.
كنا نشتغل بجميع المجالات؛ لنصرة المرأة ونصرة القضية؛ فتحنا فصول دراسية، وخياطة وتطريز، وشؤون اجتماعية، معارض، حفلات، اجتماعات، ندوات في البيوت، ومساعدة للفدائيين والفدائيات في الأرض المحتلة. وقت الحرب 1967، جمعنا من بعض، وزرنا "جمال عبد الناصر"، وقدّمنا لُه مبلغ للمجهود الحربي.
عملنا مؤتمر سنة 1957؛ مؤتمر المرأة العالمي للسلام، في مصر، ورحت شاركت – بشكل شخصي - في مؤتمر ستة 1977، في ألمانيا.
وقت ما صارت عملية ميونيخ؛ رحنا لسفارة النمسا واعترضنا، وقلنا: إحنا مش بِنحارِب، إحنا بِندافِع عن أنفسنا، ودَه عمل مشروع؛ مش إرهاب.
أسرتي كانت مشجّعاني، كنت أروح الصبح، أرجع 11 بالليل، حب الوطن فوق الزوج والأولاد. زوجي، الله يرحمه؛ كان يلاقيني مبسوطه بهادا العمل؛ (شجَّعني). الرجل؛ هو شريك وصديق وكل حاجة.
العمل السياسي بِدُّه يوصل للعمل الإنساني؛ عشان يِدّي كل ذي حق حقه. إن شاء الله شوي شوي هاتعود الأرض لأهلها، ومفيش حق بيضيع وراه مطالب".





طباعة الصفحة

تم بواسطة : amjad 2020-06-08 05:51:26
التعليقات

  ملاحظة: التعليقات تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.

 

 

اخبار سريعة

Loading...