ثقافة القضاء يجب أن تتغير


المحامي سمير دويكات

استوقفتني كلمة "جلب" ولها بعض المعاني في المعجم على النحو التالي: (جَلَب: (اسم) الجمع : أَجلاب الجَلَبُ : ما جُلِبَ من إِبلٍ وغنمٍ ومتاعٍ للتجارة الجَلَبُ : الذين يجلُبون الإِبلَ وغيرَها للتجارة جَلَب: (اسم) جَلَب : جمع جَلَبة جَلَبَ البَضَائِعَ مِنَ الخَارِجِ : اِسْتَوْرَدَهَا  لَمْ يَجْلُبْ عَلَيْهِ إِلاَّ الهُمُومَ : لَمْ يُسَبِّبْ إِلاَّ  جَلَبَ الخَيْرَ لأَهْلِهِ : كَسَبَ لَهُمُ الخَيْرَ، جَلَبَ خَصْمَهُ : تَوَعَّدَهُ ، تَهَدَّدَهُ)، وهي الكلمة التي ربما تكون قد استخدمت في مذكرات الجلب كمصطلح لجلب المتهم لأنها تفيد أخر معنى في المعاني السابقة أي جلب خصمه توعده وهدده، وهي بالمناسبة لا أساس لها في قانون الإجراءات الجزائية الساري أو في قانون العقوبات بما تفيد جلب المتهم أو غيره.

وهي كلمة تستخدم لجلب الأشياء والأفعال وفيها ربما نوع من عدم الإنسانية، ويمكن استخدامها كلمة إعلام أو استدعاء، فكثير من الكلمات التي يجب على القضاء أن يغيرها في قوانينه وإجراءاته ومنها كلمة حبس، فأنت لا تحبس احد بل تنفذ عقوبة وهي قد لا تكون بمستوى حبس الإنسان وتقييد، وكلمة سجن أنت لا تسجن إنسان وإنما تعاقبه لتصلحه، وكثير من الكلمات وحتى كلمة متهم أصبحت مبتذلة، لان الإنسان الذي يقف أمام القضاء قبل المحاكمة هو إنسان حر من كل شيء وبري بقوة العادلة والقانون، فالناس كما قول سيدنا عمر ولدوا أحرار.

فضلاً عن المعاملة التي لا تليق بأي إنسان في بعض "النظارات" ومراكز التوقيف، فلا شان للإنسان إن كان لدى المركز قلة من الإمكانيات، فان اضطر للتحفظ عليه لسبب وجيه على مركز الشرطة أن يقم له بما يليق من معاملة إنسانية قد تكون تفوق ما هو عليه في بيته، لان المركز يجب أن يتضمن معايير سلامة وحافظة للحقوق وفق معايير تليق بالبشر.

أضف إلى ذلك يجب أن لا ينظر إلى الموقوف أو الموجود في مراكز الإصلاح بازدراء أو أن يعامل بخشونة بل يجب أن يعامل بما يليق بإنسان، فان كان ارتكب جريمة فربما لأنه كان يدافع عن نفسه أو شرفه أو عرضه، أو ربما لان الحكومة أو السلطات العامة لم تلبي حاجاته الدستورية، فمن لديه الكفاف وفق ما قرره الدستور لا يمكن أن يسرق أو يمد يده طبيعيا، من لم توفر له الحكومة ذلك يمكن أن يفعل ووقتها ليس هو المتهم بل من منع عنه حقه في عيش كريم.

ومجرد إلقاء القبض على المتهم أو المطلوب، تتكون لدينا عنه نظرة سالبة لحريته في كل شيء من الجميع حتى أن بعض القضاة ينظرون إليه بقساوة تتنافى مع كونهم محايدين ويجب أن يفترضون به البراءة، وهم بداية التوقيف وهو غير قانوني بالمناسبة إلا في حالات محددة جدا وجدا لان العقاب هدفه الإصلاح فقط، والتوقيف قبل حكم نهائي قطعي غير جائز.

وعلى الرغم من المشاركة الواسعة لكل الشركاء في السلطة القضائية في ورشات تدريبية ومؤتمرات وغيرها إلا أن هذه الأمور ما تزال بعيدة، لأنها تربية وثقافة تحتاج إلى مناهج تعليم وتدريب مؤسس، أملا أن يتم الأخذ بها وتبنيها وفق معايير متفق عليها عالميا.

وكنت قد بحثت في هذا الإطار في الحد الأدنى لمدد نظر القضاء في القضايا الحقوقية والجزائية في ظل المحاكمات العادلة، أو انتظار المتخاصمين، فتبين لي أن قضائنا خارج المستوى المطلوب أوروبيا وعالميا، وخاصة أنها لم تحدد، ولكن هناك معايير ومنها تسهيل الإجراءات بقدر الحفاظ على الحق، فلا يعقل أن يبقى المتهم يتحاكم بتهمة بسيطة طوال عشرة سنوات أو حتى أكثر من سنة، ولا يعقل أن تبقى قضية منظورة أمام محكمة النقض لأكثر من ثلاث سنوات فهي حقوق يجب أن تصل أصحابها في وقت مناسب، إذ هي مشكلة عالمية ولكن جميع الأقطار الحديثة أخذت على معالجتها بحرفية وخطط ومنها تشجيع قضاء التحكيم والتوفيق وبالنسبة للجزائية من خلال التربية الصحيحة والحد من الجرائم وتطويره القضاء.

ولا شك أن الموضوع متسع ولكن هناك العمل وهناك الحديث في وقته الأنسب.وهي ليست فلسفة في ظل وضع القضاء بل حاجة لتحريك الأمور نحو الأفضل.





طباعة الصفحة

تم بواسطة : اماني وزوز 2017-09-18 09:48:45
التعليقات

  ملاحظة: التعليقات تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.

 

 

اخبار سريعة

Loading...